الأطوار المنسوخة(*):
والمنهج الشيعي مر بأطوار يختلف بعضها عن بعض بشكل كبير؛ فبعد وفاة الإمام الحادي عـشـر الحسن العسكري بغير ولد اضطرب الشيعة وتفرق جمعهم؛ لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين لـهـم بلا إمام؛ لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وبالإمام عندهم بقاء الكون؛ إذ "لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت" وهو أمان الناس "ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجـــــت بأهلها كما يموج البحر بأهله" ولكن الإمام مات بلا عقب، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث، فـتـحـيــرت فرق الشيعة واختلفت، فادعت طائفة منهم أن الحسن له ولد غائب حفاظاً على المكاســب الأدبية والمادية، وأن له نواباً هم الواسطة بينه وبين الناس، وكانوا أربعة، وكانوا يجمـعـــــــون الأموال من الناس لإيصالها لهذا الغائب، وكانت لهم الطاعة، فلهم ما للإمام، ولقولهـم صفة القداسة والعصمة، وهم مخولون كذلك بالتشريع، ثم كان أن توفي رابع النواب، ولم يوص بنائب خامس بعده، وأخرجوا مرسوماً موقعاً من الإمام الغائب يقول فيه. "أما الوقـائـع الـحـــــادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله".
فانـتـهـت بذلك ما تسمى الغيبة الصغرى وبدأ تطور جديد بتفويض أمر النيابة عن الإمام المنتظر إلـى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم بعد النواب، وقد أفاد هذا التطور الشيعة في تخفيف التنافس على منصب البابية وبدأت الغيبة الكبرى(25).
وكل هذا العـنـت كــــان لربط الناس بأحلام مستمرة عن قيام دولة شيعية، وكلما اقتربت مرحلة التخدير النفسـي من النهاية، بدأ تطور آخر وأحلام أخرى حتى لا يتفلت الناس من هذه البدع وإن كان هذا قد حدث بالفعل مع نهاية كل مرحلة وبداية كل تطور جديد.
وكانت نظرية "ولاية الفـقـيه" التي تنازل فيها الفكر الإمامي عن شرط العصمة والنص في الإمام، وسمح بالنيابة الواقـعـيـــــة للفقهاء عن الإمام، والتي تسمح لهم بممارسة القضاء وتوجب التقاضي إليهم، وهو ما كــان محرماً عندهم من قبل، وفتح باب الاجتهاد الذي كان محرماً كذلك، والقول بالـقـيـاس، وانسحبت أشكال التطور أو "التبديل" على كافة محرمات "نظرية الانتظار" كالـعـمــــل المسلح "الثورة" والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة؛ فقد طالت غيبة الإمام وتوالت القرون دون أن يظهر، والشيعة محرومون من دولة شـرعـيـــة حسب اعتقادهم، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي تداعب أفكار المتأخرين؛ فهذا الخميني يقول: "قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألــــوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، فهل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ.
ثم يقول: "إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلـى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف"(26).
ويقول: "وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر؛ فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير"(27).
وإذا كانت حكومة الآيات والفقهاء لا مثيل لها في العدل ـ كما يقول ـ فما حاجتهم بخروج المنتظر إذاً؟
وهــو يرى أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسـول الله صلى الله عليه وسلم . يقول: "فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ومن بعده كان الإمام ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعـيــة نافذة في الجميع" ثم يقول: نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه، بفارق واحـــد هو أن ولاية الفقيه على
واستشهدتم سوياً في كربلاء، هناك تدرك تماماً أن المهدي ليس بعيداً وأنه في مكان ما على الجبهة"(33).
وإذا غدا اســتـمـــرار الثورة ودوامها من بعد حدوثها إنجاز الثورة الأعظم أوجب تجديد الإعجاز كل يوم، والقيام بالثورة من غير انقطاع ولا تلكؤ، ولا يُرتب تجديد الإعجاز حين تتصل الثورة الإسلامـيـة الخمينية بين كربلاء وبين ظهور المهدي، إلا إظهار الدلائل على قيام الثورة، وحفظ معنـاهـا، والحؤول بين هذا المعنى وبين الاضمحلال والضعف. ولا يتم ذلك إلا بالإقامة على الحــــرب وفي الـحــــــرب. وينبغي لهذه الحرب أن تكون الحرب الأخيرة، ولو طالت قروناً؛ لأنها تؤذن بتجديد العالم كله، وبطيِّ صفحة الزمان(34).
فلم تكن الحرب بضواحي البصرة وعلى ساحل شط العرب إلا مقدمة حروب كثيرة أوكلت إليها القيادات الخمينية الشابة التمهيد لـ "فَـرَج " الــمـهـــدي صاحب الزمان من غيبته الكبرى، ولبسطه راية العدل على "الأرض" كلها، وتوريثه ملك الأرض للمستضعفين(35).
وهذا المفهوم الثوري المستمر كان له في الحركة السياسية الشـيـعـيـة اللبنانية نصيب وافر؛ فقد ترجمه خطباء الحركة الخمينية بلبنان وينقلونه إلى "اللبنانـيــة"، أو الكلام السياسي اللبناني، بعبارة "الحالة الجهادية" أو "الثورية أو الإسلامية"، وهـي تعـنـي الخروج من كل أشكال الإدارة التي تمتُّ بصلة إلى الدولة ومؤسساتها وقوانينها عامة، وإلـى كــيـانها الحقوقي خاصة. لذا يحرص أبناء "حزب الله" على استمرار التشرذم والتجاذب والتخبط حرصهم على حدقات عيونهم. ويرفعون هذه الحال إلى مرتبة المثال.
ويخاطب محمد حسين فضل الله جمهور المصلين في مسجد بلدة النبي عثمان قائلاً: وعـلـيـنا أن نخـطــط للـحـاضـر والمستقبل؛ لنكون مجتمع حرب!! ويضيف الخطيب: إن الحرب هذه "مفروضة"، شأن كــل الحروب التي يحل خوضها للإماميين، ولا يحل لهم خوض غيرها(36)، والحرب "المفروضة" هي النظير الإيراني لحرب التطويق السو.ياتية. فكلُّ ما يوقف توسع أصحاب مجتمع الحرب عدوانٌ عليهم.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق